فخر الدين الرازي
143
تفسير الرازي
أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ) * واختلفوا في المراد بقوله : * ( أخرنا إلى أجل قريب ) * فقال بعضهم : طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرطوا فيه ، وقال : بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل قولهم : نجب دعوتك ونتبع الرسل ، وأما على قول أبي مسلم فتأويل هذه الآية ظاهر فقال تعالى مجيباً لهم : * ( أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ) * ومعناه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهو قوله تعالى : * ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ) * ( النحل : 38 ) إلى غير ذلك مما كانوا يذكرونه من إنكار المعاد فقرعهم الله تعالى بهذا القول لأن التقريع بهذا الجنس أقوى ، ومعنى : ما لكم من زوال ، لا شبهة في أنهم كانوا يقولون لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى ، ومن هذه الدار إلى دار المجازاة ، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت أو عن شباب إلى هرم أو عن فقر إلى غنى ، ثم إنه تعالى زادهم تقريعاً آخر بقوله : * ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) * يعني سكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم ، وهم قوم نوح وعاد وثمود ، وظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية ، لأن من شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر ، فإذا لم يعتبر كان مستوجباً للذم والتقريع . ثم قال : * ( وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) * وظهر لكم أن عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال . فإن قيل : ولماذا قيل : * ( وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) * ولم يكن القوم يقرون بأنه تعالى أهلكهم لأجل تكذيبهم ؟ قلنا : إنهم علموا أن أولئك المتقدمين كانوا طالبين للدنيا ثم إنهم فنوا وانقرضوا فعند هذا يعلمون أنه لا فائدة في طلب الدنيا ، والواجب الجد والاجتهاد في طلب الدين ، والواجب على من عرف هذا أن يكون خائفاً وجلاً فيكون ذلك زجراً له هذا إذا قرىء بالتاء أما إذا قرىء بالنون فلا شبهة فيه لأن التقدير كأنه تعالى قال : أولم نبين لكم كيف فعلنا بهم ، وليس كل ما بين لهم تبينوه . أما قوله : * ( وضربنا لكم الأمثال ) * فالمراد ما أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل ، وذلك في كتاب الله كثير . والله أعلم . قوله تعالى * ( وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) *